رصاص على البياض: القتل والاختطاف في ممرات الإنقاذ بالسودان

تحقيق: فدوى خزرجي
طبيب: “قوات الدعم السريع كانت تحتجزنا وتجبرنا، بينما الجيش ينظر إلينا كمتعاونين.
عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان:
مقتل 230 طبيباً، تسجيل أكثر من 30 حالة اعتقال، تسع حالات اغتصاب لطبيبات، وخطف طبيبتين.
اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودان: “مرافق الرعاية الصحية تحوّلت من أماكن للشفاء إلى ساحات انتهاك.”
في السودان المنهك بالحرب، تحوّل البياض في معاطف الأطباء من رمزٍ للنجاة إلى هدفٍ للقتل. لم تعد المستشفيات ملاذًا آمنًا، ولا ممرات الطوارئ بعيدة عن الخطر. هنا، حيث يموت المرضى برصاص المقاتلين قبل أن يهزمهم المرض، وحيث يعيش الأطباء تحت تهديد السلاح، أصبحت المهنة الإنسانية ميدانًا للقتل والانتهاك.
من الخرطوم إلى دارفور، ومن أم كدادة إلى الحصاحيصا، تتوالى الجرائم ضد العاملين الصحيين، وسط تقارير ميدانية وشهادات توثق عمليات اختطاف واعتداءات وتصفيات ميدانية ممنهجة. تنفذها قوات الدعم السريع هذا التحقيق يكشف فصولًا دامية من استهداف الكوادر الطبية في السودان، حيث أصبحت الحياة والموت مرهونتين برصاصة، لا بعلاج.
إعدام ميداني:
مشاهد الاقتحامات، وأصوات الطلقات، وحالات الاختطاف والاعتداء، أصبحت جزءًا من يوميات الفرق الطبية في مناطق النزاع. أحد الأطباء، الذي تمكن من الهروب بعد احتجازه لأيام في موقع غير معلوم، فضل حجب اسمه. يروي تفاصيل مرعبة قائلاً لـ”كوشي”: “عقب اختطافي، أجبروني على علاج أكثر من 15 جريحًا خلال 48 ساعة، ولم يُسمح لي بالنوم أو الحصول على معدات كافية. وعندما توفي أحدهم متأثرًا بجراحه، وجهوا السلاح إلى زميلي وأعدموه أمامي.”
وأشار الطبيب إلى أن القتل أصبح عقوبة فورية لأي فشل طبي في معالجة المصابين؛ ففي حال وفاة أحد مقاتلي الدعم السريع أثناء تلقيه العلاج، تكون العقوبة إعدامًا ميدانيًا أو تعذيبًا حتى الموت.
احتجاز فريق طبي:
في مشهد آخر، داخل أحد المستشفيات الحكومية في مدينة الخرطوم بحري، عاش الدكتور محمد عبد الله ومعه فريق طبي كامل أكثر من عام من الاحتجاز القسري تحت قبضة قوات الدعم السريع، مجبرين على تقديم الرعاية الصحية لجرحى المقاتلين، بينما تُرك المرضى المدنيون يواجهون مصيرهم وحدهم.
يقول الدكتور عبد الله في روايته لـ”كوشي”:
“لم نكن أحرارًا. أجبرونا على علاج جرحاهم فقط. المرضى المدنيون كانوا أمام أعيننا يموتون الواحد تلو الآخر، ولا نستطيع أن نفعل لهم شيئًا. كانت أيادينا مكبلة بأوامر السلاح.”
منذ لحظة سيطرة قوات الدعم السريع على المستشفى، تحوّل المكان إلى ثكنة عسكرية، بحسب شهادة الطبيب، وأصبحت الأولوية المطلقة لعلاج المقاتلين المصابين، بينما حُرم المدنيون من أبسط حقوقهم في العلاج والرعاية.
“كنا نعيش حالة من القهر اليومي”، يتابع الدكتور عبد الله بصوت يغلبه الحزن، “نتنقل بين الجرحى تحت التهديد، بينما المدنيون، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، يتألمون أمام أعيننا حتى يفارقوا الحياة.”
لم يكن الاحتجاز مجرد تقييد للحركة، بل صاحبه ظروف معيشية قاسية: نقص حاد في الإمدادات الطبية، شح شديد في الغذاء والماء، وانعدام تام لأي دعم خارجي.
واعتبر الدكتور عبد الله ما جرى انتهاكًا واضحًا للأعراف الإنسانية والقانون الدولي، قائلاً:
“لم نكن طرفًا في الصراع، كنا مجرد أطباء نحاول إنقاذ الأرواح. ولكن وجدنا أنفسنا مجبرين، وملاحقين بتهمة التعاون، بينما الحقيقة أننا كنا أسرى.” ومما يزيد من مأساوية الوضع، بحسب شهادته، أن الفريق الطبي بعد خروجه واجه اتهامات من أطراف أخرى بالانحياز، رغم أن احتجازهم كان قسريًا.
“من المؤلم أن نعيش بين نارين”، يضيف الدكتور عبد الله، “قوات الدعم السريع كانت تحتجزنا وتجبرنا، بينما الجيش ينظر إلينا كمتعاونين. لقد وضعونا في موقف لا خيار لنا فيه.”
ارتكاب انتهاكات جديدة:
تأتي هذه الجرائم في سياق أوسع من الانتهاكات التي تُتهم بها قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، وسط تصاعد الدعوات الحقوقية المطالبة بفتح تحقيقات دولية عاجلة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع في جريمة جديدة هزت الضمير الإنساني، شهدت مدينة أم كدادة، شمال دارفور، واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ اندلاع الصراع، وذلك في العاشر من أبريل الجاري.
بحسب بيان صادر عن لجان مقاومة الفاشر وشهادات مصادر طبية، اقتحمت قوات الدعم السريع المدينة بتاريخ 10 أبريل الجاري، وفي تصعيد خطير لانتهاكات القانون الدولي الإنساني، اقتحم مسلحو الدعم السريع المستشفى المحلي بأم كدادة، واعتدوا على المرضى، قبل أن يقدموا على تصفية عدد من أفراد الطاقم الطبي، بحسب المصادر ذاتها.
واعتبرت لجان مقاومة الفاشر أن الهجوم على المنشآت الصحية يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحمي المرافق الطبية والعاملين فيها أثناء النزاعات المسلحة.
حجم الخطر:
آخر الفصول المأساوية شهدها معسكر زمزم للنازحين في شمال دارفور، حيث قُتل كامل الطاقم الطبي، ومن بينهم ثمانية أطباء، في جريمة تعكس تصاعد الاستهداف الممنهج ضد العاملين في القطاع الصحي.
كانت أبرز هذه الجرائم مقتل الطبيبة هنادي، التي كانت تمارس مهنتها بإخلاص. بسماعتها الطبية ولمستها الحانية، وابتسامتها التي تسبق الكلمات، كانت تمثل طوق نجاة للمرضى، لا سيما الأطفال الذين أنهكهم المرض والجوع والخوف.
إلا أن صباح الاثنين، 14 أبريل 2025، حمل نبأ فاجعًا: الطبيبة هنادي قُتلت أثناء أداء واجبها الإنساني.
وبحسب بيان صادر عن اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، حصلت عليه “كوشي”، قضت هنادي نحبها أثناء عملها داخل المعسكر، في حادثة تلخص حجم الخطر الذي يتهدد العاملين في القطاع الصحي وسط تصاعد العنف والانتهاكات بحق المدنيين والطواقم الطبية.
“ارتقت شهيدةً أثناء أداء واجبها الإنساني”، جاء في البيان الذي أشار إلى أن هنادي لم تكن طبيبة فحسب، بل رمزًا للإنسانية والتفاني.
وأضافت النقابة: “كانت تعرف ببث الطمأنينة حتى في أحلك الظروف، وكانت وجهًا مألوفًا لكل من احتاج إلى دواء أو كلمة أمل.”
يضم معسكر زمزم آلاف النازحين الفارين من ويلات الحرب، وقد شهد في الفترة الأخيرة انتهاكات متكررة، من بينها استهداف العاملين في المجال الإنساني.
وتعد حادثة مقتل هنادي جزءًا من نمط متصاعد من الهجمات التي تنال من حرمة الحياد الطبي وتعرض الأرواح للخطر.
النقابة، التي حمّلت السلطات والمنظمات الدولية مسؤولية التحقيق وضمان حماية العاملين الصحيين، أكدت أن “رحيل هنادي لا يُختصر في رقم ضمن قوائم الضحايا، بل هو فقدان لصوت ظل يصدح بالرحمة حين ساد الصمت، ولضمير ظل حيًا حتى آخر لحظة.”
واختتم البيان بكلمات نعي مؤثرة: “وداعًا هنادي… ستبقين رمزًا للضمير، ونبضًا لا يموت.”
صرخة لم تُسمع:
لم تكن مأساة هنادي الأولى، لكنها واحدة من سلسلة أوجاع تتكرر خلف جدران المستشفيات في السودان في كل زاوية من هذا الواقع المنكسر، هناك “هنادي” جديدة، وقصة تنتظر أن تُروى.
ففي مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة، وقعت جريمة سابقة، أكثر قسوة، كُشف عنها في أحد الأجنحة الضيقة بمستشفى الحصاحيصا للأطفال بتاريخ 17/03/2024.
حاولت ممرضة شابة أن تقاوم الخوف، وتمنع الجريمة. كانت فتاتان، وهما من مرافقات المرضى، تصرخان طلبًا للنجدة، بعد أن تعرّضتا لاعتداء جنسي من قِبل عناصر مسلحة تابعة لقوات الدعم السريع، اقتحموا المستشفى دون رادع.
لم تحتمل الممرضة المشهد، فاندفعت نحوهم في محاولة للإنقاذ، لكن شجاعتها كلّفتها الكثير.
بحسب ما أفادت به اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، في بيان حصلت عليه “كوشي”، اعتدت ذات القوات جنسيًا على الممرضة، بعد أن شاهدت الواقعة وحاولت التدخل.
لم تُجدِ صرخاتها، ولم تصل استغاثتها إلى أحد.
الاعتداء المروّع، الذي وثّقته النقابة، لم يكن حادثًا معزولًا، بل هو، كما تقول، “جرس إنذار متأخر” لحالة من الانفلات والعنف الممنهج الذي بات العاملون في القطاع الصحي ضحيته الأولى، في ظل غياب كامل لأي حماية قانونية أو فعلية.
تضيف النقابة في بيانها: “مرافق الرعاية الصحية تحوّلت من أماكن للشفاء إلى ساحات انتهاك.”
استهداف الأطباء:
منذ اندلاع الحرب في السودان، كان الأطباء في مقدمة المستهدفين بانتهاكات جسيمة طالت حياتهم ومهنتهم، وفقًا لما أعلنته الدكتورة أديبة إبراهيم السيد، عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان – فرعية خصوصي أم درمان.
وأكدت د. أديبة في تصريح خاص لـ”كوشي” أن الصراع المستمر أسفر عن مقتل 230 طبيبًا أثناء تأدية واجبهم الإنساني، من بينهم مجزرة مروعة راح ضحيتها كامل الطاقم الطبي، بما في ذلك 8 أطباء، داخل معسكر زمزم.
وأشارت إلى تسجيل أكثر من 30 حالة اعتقال لأطباء، مع استمرار اختفاء بعضهم حتى اللحظة، دون معرفة مصيرهم أو أماكن احتجازهم.
وأضافت أن الانتهاكات لم تتوقف عند القتل والاعتقال، بل شملت أيضًا تسجيل تسع حالات اغتصاب لطبيبات، وخطف طبيبتين أثناء دخول قوات الدعم السريع إلى ولاية الجزيرة، تحديدًا في مستشفى رفاعة، بالإضافة إلى حالات اغتصاب أخرى في مستشفى الحصاحيصا.
وحذرت د. أديبة من أن استهداف الكوادر الطبية أدى إلى موجات نزوح وهجرة واسعة للأطباء والتقنيين الصحيين داخل وخارج البلاد، مما تسبب في إغلاق نحو 85% من المستشفيات والمراكز الصحية.
وتابعت: “نقص الكوادر الصحية تسبب في تكدس المرضى وارتفاع معدلات الوفاة والمضاعفات الطبية. من لا يموت بالقصف والرصاص، يموت بالمرض.”
وأوضحت أن الأطباء أصبحوا عرضة للتهديد العلني، والاختطاف، والتنكيل، بل وصل الأمر إلى تشويه سمعتهم وفبركة التهم ضدهم، مؤكدة أن كل ذلك يتم على خلفية نشاطهم النقابي والمهني.
وجددت د. أديبة مناشدتها للمجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات الطبية الإقليمية، وعلى رأسها اتحاد الأطباء العرب، للتدخل العاجل لحماية الأطباء والمنظومة الصحية في السودان.
واختتمت حديثها بالقول: “نحن أطباء لا نحمل سلاحًا سوى صوتنا وبياناتنا. منذ اليوم الأول للحرب، أنشأنا غرفة طوارئ 15 أبريل وفروعًا لها في مختلف الأقاليم. ورغم المطاردات والتهديدات، واصلنا عملنا الإنساني لنخدم شعبنا، لكن التهديدات المتزايدة أجبرتنا على النزوح والهجرة بحثًا عن الأمان.”

